معركة الوعى

قياسي

كريس كيل قناص سابق فى الجيش الامريكى، شارك فى حرب العراق وقد اشيع انه قتل 255شخص ،تم التاكد من انه قتل 160شخص من هذا العدد ،أما الباقى فهناك شك في امرهم ،وبذلك يكون قد حقق رقما قياسيا فى اعداد قتلاه من بين كل افراد القوات الخاصة الامريكية، وقد لقب بشيطان الرمادى واول ضحاياه كانت امرأة.

اذن فهو ارهابى من نوع خاص، من النوع الذى لا تستطيع الحكومات ولا اعلامها وصفه بالارهابى، فى نفس الوقت الذى يصف هذا الاعلام المدافعون عن اوطانهم وارضهم بالارهابيين سواء كان فى فلسطين او العراق وافغانستان اثناء الاحتلال الامريكى .

اذن ماذا فعلت امريكا الارهابى الكبير مع ابنها كريس كيل ؟

الذى كان بالنسبة لها احد اهم ابطالها الشجعان، الذى حارب وقتل الكثير من المسلمين والعرب الهمجيين حسب وصف كريس كيل نفسه فى مذكراته .

قامت امريكا بتكريمه وانتاج فيلم “American Sniper” ،الذى تصدر شباك التذاكر وحقق ارباح ما يقارب المائتا مليون دولار امريكى ،لتخليد ذكراه ولتعليم ابنائهم ان يكون مثله وان يحذوا حذوه.
هذا ما فعلته امريكا وما يفعله الغرب بابطاله ،ولكن ماذا فعلنا نحن بابطالنا ، فان لم نتهمهم بالارهاب ،اهملناهم ولم نوفيهم حقهم ،جمعة الشوان البطل المصرى رحمه الله ،الذى لم يجد علاجا على نفقة الدولة الا فى لحظاته الاخيرة ،وسليمان خاطر الذى قتل فى المشفى ل،انه قتل بعضا لصهاينة الذى حاولو عبور الحدود ، اين مصر من هؤلاء الابطال ،واين العالم العربى والاسلامى من ابطاله ،الذى يواريهم التراب ولا يعد لهم ذكر، وكانهم ما كانوا ولا فعلوا شيئا من اجل اوطانهم او دينهم ،الامر الذى دفعنا لاستيراد ابطال من الغرب، حتى نتخذهم قدوة كغاندى وجيفارا وغيرهم ،اليس ابطالنا احق ان ننتج عنهم الافلام ونحيك قصصهم ،بدلا من الافلام الهابطة التى ليس لها دافع الا نشر الرذيلة فى مجتمعاتنا ،اليس من حق الاجيال القادمة ان تجد القدوة الحسنة فى ابطال لهم نفس العقيدة ونفس الهوية ،ابطال ليس بالضرورة ان يشربون الخمر ويدخنون السجار الكوبى .

الن نتعلم ابدا ان انهيار القدوة فى مجتمعاتنا هو سبب رئيسى فى تدنى الاخلاق وانعدام القيم وفساد الضمائر ،عندما يجد الشاب ان مثله الاعلى وقدوته فى الحياة لا يجد غضاضة فى ارتكاب المنكرات وكافة انواع الجرائم من اجل الوصول لهدفه بحجة ان الغاية تبرر الوسيلة ،هل ننتظر منه ان يكون قائدا او حتى عضوا صالحا فى المجتمع.

هل نتوقع ان نرى شباب يحتقر تجار المخدرات اذا كان يرى افلاما تروج ان تاجر المخدرات “راجل جدع وعند كلمته” او ان اللص “صاحب صاحبه”.

نسمع بعض الاصوات التى تطالب بمقاطعة الفيلم ،ومن الواضح ان سلاح المقاطعة هو سلاحنا الوحيد، وذلك لاننا قوم نستهلك ولا ننتج ،نستهلك كل شئ واى شئ ،هم يصنعون المواد الغذائية ونحن نشتريها وناكلها،هم ينتجون المعدات والسيارات ونحن نستعملها ،هم ينتجون الافلام ونحن نشاهدها ،وهم يخترعون الابطال حسب قيمهم الفاسدة ونحن نتخذهم مثل اعلى وقدوة لنا ولابنائنا .

لن اتحدث عن جدوى المقاطعة او مهاجمة المنتجين للفيلم ، فقد هوجمت شارلى ايبدو التى اساءت للرسول الكريم عليه افضل الصلاة واتم التسليم ،ولكن ما النتيجة ؟ازداد عدد مبيعاتها اضعافا مضاعفة عن نسبة مبيعاتها قبل الهجوم، حتى وصل الامر ان جرائد عربية نقلت عنها بعض الصور المسيئة التى نشرتها، الفائدة هنا انه اذا اردنا تغييرا فلننتج ولا نصبح مستهلكين، ان نكون الفعل ونتخلى عن كوننا رد الفعل دائما ،ان نصنع ابطالنا وقدوتنا حسب قيمنا نحن وعقيدتنا لا قيمهم وعقائدهم، ان ننتج الفكر قبل ان ننتج الغذاء، وقبل كل هذا علينا ان نفهم ان الحرب فكرية وحضارية  قبل ان تكون عسكرية .

فهل ياتى اليوم الذى لا يكون المقاطعه هو سلاحنا الوحيد وان نتحول الى فاعلين !!

عاصم عرابى

اذن فهو ارهابى من نوع خاص من النوع الذى لا تستطيع الحكومات ولا اعلامها وصفه بالارهابى فى نفس الوقت الذى يصف هذا الاعلام المدافعون عن اوطانهم وارضهم بالارهابيين سواء كان فى فلسطين او العراق وافغانستان اثناء الاحتلال الامريكى .

اذن ماذا فعلت امريكا الارهابى الكبير مع ابنها كريس كيل ؟

الذى كان بالنسبة لها احد اهم ابطالها الشجعان الذى حارب وقتل الكثير من المسلمين والعرب الهمجيين حسب وصف كريس كيل نفسه فى مذكراته .قامت امريكا بتكريمه وانتاج فيلم American Sniper الذى تصدر شباك التذاكر وحقق ارباح ما يقارب المائتا مليون دولار امريكى لتخليد ذكراه ولتعليم ابنائهم ان يكون مثله وان يحذوا حذوه.
هذا ما فعلته امريكا وما يفعله الغرب بابطالنا ،ولكن ماذا فعلنا نحن بابطالنا ، فان لم نتهمهم بالارهاب اهملناهم ولم نوفيهم حقهم جمعة الشوان البطل المصرى رحمه الله الذى لم يجد علاجا على نفقة الدولة الا فى لحظاته الاخيرة وسليمان خاطر الذى قتل فى المشفى لانه قتل بعضا لصهاينة الذى حاولو عبور الحدود ، اين مصر من هؤلاء الابطال واين العالم العربى والاسلامى من ابطاله الذى يواريهم التراب ولا يعد لهم ذكر وكانهم ما كانوا ولا فعلوا شيئا من اجل اوطانهم او دينهم الامر الذى دفعنا لاستيراد ابطال من الغرب حتى نتخذهم قدوة كغاندى وجيفارا وغيرهم اليس ابطالنا احق ان ننتج عنهم الافلام ونحيك قصصهم بدلا من الافلام الهابطة التى ليس لها دافع الا نشر الرذيلة فى مجتمعاتنا اليس من حق الاجيال القادمة ان تجد القدوة الحسنة فى ابطال لهم نفس العقيدة ونفس الهوية ابطال ليس بالضرورة ان يشربون الخمر ويدخنون السجار الكوبى .

الن نتعلم ابدا ان انهيار القدوة فى مجتمعاتنا هو سبب رئيسى فى تدنى الاخلاق وانعدام القيم وفساد الضمائر عندما يجد الشاب ان مثله الاعلى وقدوته فى الحياة لا يجد غضاضة فى ارتكاب المنكرات وكافة انواع الجرائم من اجل الوصول لهدفه بحجة ان الغاية تبرر الوسيلة

اعادة تعريف الوطن

قياسي

فى هذا المقال وهذه السطور نحاول الوصول الى تعريف محدد لكلمة الوطن، الذى نعيش فيه وعلى ارضه وتتوارى جثثنا تحت ثراه، حتى تتحلل وتصيرا رماداً .

لا انا لست هنا لأتحدث عن التعريف الشهر “الوطن يعنى حضن” فانا لست بتلك الرومانسية الشديدة، نحن هنا نتحدث هنا للوصول لتعريف محدد وواضح لتعريف كلمة ومفهوم الوطن .

هل هو مجرد ارض وتراب وشوارع تروى من دمائنا يومياً ،سواء كنت فى مظاهرة مطالباً بقطعة من الخبز الذى تصنعه بعرقك ،فتضرب بالرصاص ثمناً لذلك الخبز الذى تصنعه، فلا أحد يصنع شيئاً مجاناً ،او كنت فى المدرسة او الجامعة فتموت دهساً بسيارة مسرعة، أو عن طريق السم لتناولك أكل غير مراقب، وان لم تمت بكل تلك الطرق فسوف تموت انتحاراً، لانك لا تملك ما تقى به أبنائك شر الفاقة ، أم هو ذلك الماء الملوث والمختلط فى بقاع كثيرة من وطننا مع مياه الصرف الصحى، أم هو الذى يوفر لشبابنا العاطل ومدمنى المخدرات الوظائف حتى تقيهم شر تلك الموبقات، وحتى لا تمتد أيديهم إلى ما حرم الله ،أو على الأقل حتى لا يضطر معظمهم للهجرة للخارج بحثا عن فرصة عمل ،ومنهم من يموت فى الطريق، تلك الوظائف التى لا ينالها إلا من لديه القدرة لدفع المبالغ المالية، والتى يستردها بعد الوظيفة عن طريق الدرج المفتوح دائماً ، لتلقى الرشاوى من المواطن المطحون، أم انه يسمى وطناً لانه يمنحنا الكرامة المسلوبة داخل بلادنا وخارجها .

ان كان هذا هو الوطن فلا يستحق اللوم من يتنازل عنه، فلا تنتظر منه وانت تتقدم تصوب سلاحك نحوه، ان يقف لك عارى الصدر ويقول لك اطلق رصاصك فهذا من اجل الوطن، ولا تنتظر أن تعذبه فى المعتقلات ويقول لك نعم فليحيا الوطن ولتحيا الوطنية .

لانى لا اعرف حقا ما هو الوطن ؟هل هوا أنا ام أنت، القاتل أم المقتول ،أم هو القاضى الذى يحكم على هواه ،فيعدم هذا ويعتقل ذاك بغير حجة او سبب واضح .

نحن لن نصل لتعريف الوطن إلا إذا أجبنا على تساؤلات معينة، من هو أهم؟ الارض ام من يعيش عليها، الشعب أم الحكومة ،المواطن أم رجل الاعمال،ومن هو الخادم من هؤلاء ومن هو المخدوم ؟هل الحكومة فى خدمة الشعب ام كما هو واضح لدينا الشعب فى خدمة الحكومة ومعاونيها من رجال اعمال ؟

الاجابة الطبيعية والموجودة فى كل بلدان العالمن أن الحكومة ما وجدت إلا لخدمة الشعب وتنظيم حياته، لا لقتلهم وزجهم فى المعتقلات بغير ذنب أو جريرة ،إلا لأنهم لا يريدون العيش عبيدا للحاكم ،فالحكومة والحاكم هم خدم الشعب ،فهو من يدفع رواتبهم الباهظة، وهو من يبنى مكاتبهم الفاخرةن التى يجلسون خلفها فى تعالى ويصدرون الأوامر هنا وهناك، سواء بالتصفية او بالاعتقالات ،باسلوب العصابات الحاكمة ، فالمواطن ليس له قيمة بالنسبة لهم ولا ثمن، فما الضير فى موت مائة أو مائتين أو ألفاُ أو ألفين ،فى مقابل حصولهم على أهدافهم أو حتى صداقتهم لرجال أعمالهم، فاليوم أصدر النائب العام “مش ملاكى بس اجرة” قراراً باسقاط عقوبة السجن سبع سنوات عن ممدوح اسماعيل مالك عبارة السلام 98، والتى راح ضحيتها قرابة الالف وثلاثمائة مواطناً مصرياً، فلا تتعجب من هذا القرار، فنحن فى عصر الانقلاب.

ولن نستطيع أن ندعو هذا الوطن وطناً، إلا إذا استطعنا ان نعدل الميزان المقلوب ،وتصبح الحكومة خادمة للشعب لا حاكمة، ويتحول اعضاء الشرطة والجيش حماة للوطن لا قامعين له، وتصبح مرتبة المواطن المصرى رقم واحد فى هذا الارض الثكلى على أبنائها، فاجدادنا ماتوا دفاعاً عن الارض والعرض وعن الفقراء، لم يمت شهداؤنا ويضحوا بأراحهم من أجل الحكومة ورجال الاعمال وأصحاب القصور الشاهقة ، ولكنهم ضحوا بها عن طيب خاطر، من أجل ساكنى القبور والعشش وقاطنى أسفل الكبارى الذين يموتون برداً وجوعاً وقهراً على هذا الوطن المسلوب .

تصدعونا ليلا نهارا من ابواقكم الاعلامية الفاسدة عن الانتماء والوطنية، فلتعدل الحكومة ميزانها ، وليعصب القاضى عينيه، وتعودوا الى ما وجدتم من أجله أولاً ألا وهو خدمة هؤلاء المواطنين الضحايا، ثم حدثونا بعدها عن الانتماء وحدثونا عن الوطنية وعن الوطن .

عاصم عرابى

21-12-2014   

محكمة بلا قضاة

قياسي

image

محكمة بلا قضاة المحكمة صرح العدالة القائم، وميزانها الحاكم والفاصل بين المتخاصمين ،والمكان المتحكم فى مصائر البشر فى بلادنا، وتطبيق شريعة الله على رقابنا، نعم نقر أن غالبية قوانيننا متخذة من القانون الفرنسى وليس الشريعة الاسلامية ،ولكن لابد لمن يحكم ،أن تكون لديه خلفيه ومعرفة بالشريعة الاسلامية وأحكامها، حتى يستطيع ان يحكم فى مشاكلنا وخصوماتنا .
ولكن عندما يتحول صرح العدالة الى مجرد مكان إدارى ،تنفذ فيه الأوامر ويعطى القاضى بالأمر احكاماً بالسجن والاعدام بالجمله ،لتهم أقل ما يقال عنها أنها تافهة، كرفع علامة او خروج فى مظاهرة .
 وعندما تنزع العدالة العمياء عصابتها، حتى تجيد التفريق بين هذا وذاك، بين من يأمر ومن يطبق عليه الأمر، بين من لديه نفوذ ومن ليس لديه إلا الله وهو القوى، بين الجانى المجنى عليه، ولكنها بدلا من معاقبة الجانى تعاقب المجنى عليه .
وعندما يخطئ الكثير من القضاة فى آيات القرآن الكريم ،بل ويصل الامر الى حد ذكر آيات غير موجودة فى القرآن ،وعندما ينحاز القاضى علانية إلى هذا أو ذاك، ويعلن رأيه فى احد المتخاصمين صراحة، ويتهجم عليه بالتصريحات والآراء السياسية، وعندما أقول ذلك فانا اتحدث عن كل القضاة أصحاب الآراء والتوجهات السياسية المعروفة ،والذين يحكمون فى القضايا التى تخص آرائهم وتوجهاتهم، فالقاضى هو شخص طبيعى لديه توجهات وقناعات وآراء سياسية أيضاً، ولكن حتى يكون حكمه عدلاً وقوله فصلاً عليه أن يبتعد او يبعد عن القضايا التى تدخل ضمن نطاق آراءه وقناعاته، حتى لا يميل الى هواه ورأيه، ولكن هذا يحدث فقط إذا كنا فى دولة تحرص على الحق والعدل ،وليس عن دولة تقتل أبنائها وتصفى أذكى دمائها .
وعندما يرى الجميع أحد القضاة، يصول ويجول على صفحات مواقع التواصل الاجتماعى ،ويوزع الاعجابات والتعليقات والمشاركات ،على المنشورات المشينة والمنافية لأقل القواعد الاخلاقية، ولن اتحدث عن طريقة ملابسة التى توحى بمظهر رجل عصابات وليس قاضياً، يحكم بين الناس فيما شجر بينهم، فهو بذلك المظهر وتلك التصرفات الحمقاء، يهين منصب القضاء الرفيع الذى يجله ويوقره الجميع.
فعندما يعمل القضاة عن طريق الأمر المباشر، ويخطئ الكثير منهم فى ايات القرآن الكريم التى يحفظها الرجل العادى، ويوزع آراؤه السياسية وانتقاداته فى القضايا هنا وهناك ،واخيرا وليس بآخراً يهين المنصب الذى يتولاه، فمن حقنا ان نتسائل هل يوجد فى مصر قضاء او قضاة؟ هلى لدينا محاكم تفصل بين الناس بالعدل ؟ نعم لدينا محاكم .. ولكنها خالية من قضاة يستحقون مناصبهم ومكانتهم .
عاصم عرابى
16-12-2014

عن قالب الكيك

قياسي

فى هذا العام فقدنا عددا كبيرا من الأسماء المهمة المحترمة؛ فلم يشأ العام أن ينتهى ورضوى عاشور بيننا. لن أضيف جديدا لو كتبت عنها، فقد كتب عنها من هم أبرع وأبلغ منى بكثير. كانت أديبة موهوبة ومناضلة شريفة شجاعة، تقف عند الحدود المشتركة بين المثقفين جميعا، فلم أعرف أحدا لم يحزن عليها أو يبكها بصدق. هى إذن من هؤلاء الأشخاص النادرين الذين يحزن عليهم الجميع. لربما اختلف المثال كثيرا، لكنى تذكرت وفاة الفنان خالد صالح حيث بدا كأن هناك جرحا أدمى قلب كل متكلم بالعربية. قصة حب طويلة جمعتنى بكتاباتها منذ قرأت (غرناطة)، فوجدتها عملا متقنا ساحرا شديد الدقة، شامخا فى مستواه الإنسانى. لقد تخلت عن فكرة الأدب النسائى الضيقة، التى تحبسه فى نفس الدائرة المملة عن (المجتمع الذكوري – شيوخ القبيلة – المرأة كجسد – الموت للرجال.. إلخ) التى اصطلح على تسميتها أدبا أنثويا، وكتبت كإنسان أولا لا كأنثى، لذا تفوقت على عشرات الأدباء الرجال.

ليرحمها الله..

شهد هذا الأسبوع براءة مبارك ومعاونيه من تهمة قتل المتظاهرين. لا أذكر التفاصيل المعقدة لمحاكمات مبارك، لكنى قرأت خبر تبرئته عشرات المرات، فلا أرى جديدا فى هذا الخبر والكل كان يتوقعه.

منذ أعوام كنا نتلقى دورة عن تنمية مهارات أعضاء التدريس، وقد طلب منا الأستاذ المحاضر أن يعرف كل منا نفسه، ثم يخبرنا بتخصصه بسرعة.. هكذا راح كل واحد يذكر اسمه ونبذة عن تخصصه بينما المحاضر يكتب ملاحظاته. وصل الدور إلى مدرس سريع الخاطر من الجالسين، فقال: «أولا أهنئ سعادتك على الطريقة الذكية التى تأخذ بها الغياب!». هنا أدركنا الحقيقة وانفجرنا ضاحكين.. كان المحاضر يريد أخذ الغياب بطريقة لا تبدو كذلك. تذكرت هذه القصة عندما رأيت كيف أن مظاهرات 28 نوفمبر التي حولها الإعلام إلى كارثة لم تحدث أصلا، وكان يوم الجمعة أهدأ من أيام أخرى كثيرة. قال كثيرون إن الحشد ضد مظاهرات 28 نوفمبر كان مجرد طريقة ذكية لمنع مظاهرات 29 نوفمبر المتوقعة بعد صدور الحكم على مبارك!.. لا أعرف طبعا.

نحن لا نعترض على الحكم ونفهم جيدا أن القضاء يتحرك حسب الأوراق التى يجدها أمامه. هذا مفهوم.. ومن الواضح أنه لم تكن أمامه أى ورقة تدين الداخلية أو مبارك. هنا يأتى السؤال: من فعلها؟. من دهس المتظاهرين بعربة الشرطة كما رأينا، وماذا عن الفتى الذى يطلق عليه رجال الشرطة النار فى الأسكندرية، وهو الفيلم الموجود على كل جهاز كمبيوتر فى مصر؟ ومن قتل جيكا ومينا دانيال وعماد عفت و.. و…. ماذا عن الصفحة الكاملة المليئة بصور الشهداء التى نشرها د. محمد المخزنجى أيام الثورة، وكتب عنوانا لها (ورد الجناين)..؟

كانت لى قريبة كلما وجدت شيئا خطأ فى البيت: كوبا مكسورا.. حنفية مفتوحة.. ورقة ملقاة، تتهمنا نحن الأطفال بأننا فعلنا ذلك، فكنا ننكر طبعا.. كانت تقول كلمتها المأثورة: «أصل أمى طلعت من التربة وعملت كده!.. الله يرحمك يا امه..». يبدو إذن أننا وجدنا الفاعل… لكن ما دوافع المرحومة أمها لقتل كل هؤلاء؟

لابد من إجابة واضحة.. من فعلها؟. كتب الأستاذ فهمى هويدى مرارا عن لجنة تقصى الحقائق التى شكلت لمعرفة من قتل الثوار، وكانت اللجنة برئاسة المستشار عادل قورة رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس النقض الأسبق، وضمت كلا من المستشار اسكندر غطاس مساعد وزير العدل، والدكتور محمد سمير بدران الأستاذ المتفرغ بحقوق القاهرة. والدكتورة نجوى خليل مدير مركز البحوث الجنائية والاجتماعية آنذاك، ووزيرة الشئون الاجتماعية لاحقا. بعد شهرين ونصف من العمل الشاق، وفى 18/4/2011 قدمت اللجنة تقريرها فى 450 صفحة، وقد أشار بإصبع الاتهام إلى جهات أمنية معينة فى المسؤولية عن قتل المتظاهرين، ولم يذكر بحرف واحد رجال حماس، الذين حاولت آلة ضخ الأكاذيب المسماة بالإعلام إقناعنا أنهم كانوا فى كل ركن من مصر وقتها. قال التقرير مستندا إلى الأدلة: «تبين للجنة أن رجال الشرطة أطلقوا أعيرة مطاطية وخرطوشا وذخيرة حية فى مواجهة المتظاهرين أو بالقنص من أسطح المبانى المطلة على ميدان التحرير، خاصة من مبنى وزارة الداخلية ومن فوق فندق النيل هيلتون ومن فوق مبنى الجامعة الأمريكية. وقد دل على ذلك أقوال من سئلوا فى اللجنة ومن مطالعة التقارير الطبية، التى أفادت أن الوفاة جاءت غالبا من أعيرة نارية وطلقات خرطوش فى الرأس والرقبة. وإطلاق الأعيرة النارية لا يكون إلا بموجب إذن صادر من لجنة برئاسة وزير الداخلية وكبار ضباط الوزارة. تبين للجنة أن سيارات مصفحة للشرطة كانت تصدم المتظاهرين عمدا وتصيب أعدادا منهم دلت شواهد وقرائن عدة على أن الشرطة استعملت القوة المفرطة فى مواجهة المتظاهرين». تم تجاهل التقرير تماما ولم نسمع عن أى جهة تفنده أو تقر بوجوده أصلا. فيما بعد اعتمدت المحاكمات على شهادة رجال الداخلية، على طريقة: «الداخلية حققت وأثبتت أنها لم تطلق الرصاص على أى متظاهر». الطريف أن الداخلية أطلقت الرصاص فى نفس يوم حكم البراءة فقتلت عدة متظاهرين!.. أى أننا سنقتل بالرصاص كل كذاب يزعم أننا نقتل بالرصاص.

يجب الإجابة عن هذه الأسئلة وعدم تجاهلها، وإلا فدماء من ماتوا لا تساوى ثمن الرصاص الذى قتلهم، ومعناه أن كل من استشهدوا أو فقئت عيونهم فعلوا هذا بلا ثمن، ومعناه أن السادة عباقرة آلة ضخ الأكاذيب المسماة بالإعلام، الذين لم يكفوا عن تسفيه ثورة يناير قد كسبوا المعركة، واستحقوا كل مليم من الملايين التى نالوها.

كانت هناك فرصة ممتازة لتغيير كل شىء، وقد تناغم تردد الثورة فى ملايين القلوب فى لحظة واحدة نادرة، لكننا أضعناها بسلسلة من الأخطاء بدأت منذ لحظة التنحى عندما عاد الجميع لبيوتهم، وعندما لم يطالبوا بمحاكمات ثورية، ثم الصراعات الداخلية والانقسامات، واستهلاك طاقة الثورة فى اعتصامات ومليونيات لا حصر لها ولا هدف. متى تتكرر ثورة كهذه مرة أخرى؟. ألجأ هنا لعبارة كتبها فى الفيس بوك صديقى الفنان التشكيلى د. رائف وصفى: «حماقة واحدة تقع فيها كل الفصائل السياسية على اختلاف أنواعها وانتماءاتها منذ ليلة ١١ فبراير ٢٠١١ وحتى اللحظة، إذ يتصور الجميع أن للثورة (مقادير) -يعنى حاجة كده زى قالب الكيك- ما أن يضعوها على بعضها البعض حتى تندلع ناسين أو متناسين بلهاء أو مستهبلين أنه لابد لقالب الكيك من (فرن) حتى ينضج… فرن تكفلت سنوات مبارك الثلاثين بإعداده وقد (خبز) قالب كيك واحدا ثم انطفأ، ولن يقدر أى فصيل على إشعاله مرة أخرى..». هذا رأيى تقريبا، لكنى أستبدل بعبارة (مرة أخرى) عبارة (لأعوام).

د. احمد خالد توفيق

المتقوقعون

قياسي

اشتباكات-بين-المعتصميين-ومؤيدى-مرسى-امام-الاتحادية-4

 

 

اذا تجولنا فى الصفحات الخاصة بالنشطاء وغير النشطاء ،على مواقع التواصل الاجتماعى فيس بوك مثلا ،بصفته الاكثر انتشارا وتشييرا لمنشوراته، سنجد مرضا عضالا قد تفشى فى الجميع بعد ثورة يناير

بقليل، سواء كانوا اسلاميين او ليبراليين او علمانيين او من اى جهة كانت، فهذا المرض لم يفرق بين اخوانا وليبراليين وسلفيين وعلمانيين ،تفشى فى الجميع الا من رحم ربى منهم .

فنجد ونحن نتجول فى هذه الصفحات، تحذيرات من المؤيدين للمجلس العسكرى مثلا او مؤيدى المخلوع، الى الثوار عموما اسلاميين وغير اسلاميين، بعدم التواجد فى صفحاتهم والا طالهم العقاب الاعظم فى الفيس بوك الا وهو البلوك .

وتجد ايضا نفس التحذير ،يوجهه شباب التيارات الاخرى او الغير مؤدلجة الكارهة للاسلاميين ، الى الاخوان والسلفيين ويطالبونهم بالخروج من جنان صفحاتهم، والا طالهم العذاب الاليم الا وهو البلوك بالطبع .

وايضا تجد شباب الاخوان والسلفيين والغير مؤدلجين الكارهين للتيارات الليبرالية ، ينتهجون نفس النهج ايضا، ويطالبون الاخرين بالخروج من صفحاتهم  .

كل هذا غير الحملات الفيسبوكية، التى تطالب بحذف القنوات الاسلامية من مستقبلات الدش لديهم، والتى تم غلق معظمها رسميا بالفعل بقرار من قيادة الانقلاب، مقابل حملات اخرى تدعو الى حذف القنوات المؤيدة للجانب المضاد للاسلاميين ،من مستقبلات الدش لديهم ايضا .

وهكذا الحال والتعامل عند كل الشباب من جميع التيارات، الا من رحم ربى منهم  كما ذكرت سلفاً.

بالعربى الفصيح وعلى بلاطة، كلنا نريد ان نعيش داخل قوقعة لا نجد فيها الا من يوافقنا فى الرأى مائة فى المائة، ولو انخفضت هذه النسبة واحد فى المائة عند احدهم إذن فليبحث له عن قوقعة اخرى تناسبة يندمج فيها، اصبحنا لا نقبل الاختلاف ،حتى لو ادعينا مرارا وتكرارا اننا من انصار حرية الرأى، فأصبحت هناك قوقعة للاخوان وقوقعة للسلفيين واخرى لليبراليين ورابعة لليساريين، اصبحنا نعيش فى مجتمع متقوقع منغلق على نفسه، لايريد ان يسمع الا صوته ولا صوت ولا راى يعلو فوق رايه

.وستظل هذه المشكلة تعرقل تقدمنا مهما حاولنا ومهما صنعنا من ثورات ومظاهرات وهتافات، ومهما فكرنا لان كل تفكيرنا سينصب فقط داخل القوقعة، التى نحيا بها والتى لا نريد ان نخرج منها، الى الفضاء الواسع الذى يشمل الجميع بلا استثناءات .فاذا اردنا النجاح وتحقيق ما نتمناه لنا ولهذا الوطن ،ان نكسر هذه الحواجز، وان نخرج الى العالم، وان نتحاور مع الجميع ونختلف مع الجميع، ولكن بدون سباب او تكفير او عنف فلن تحل مشاكلنا الا بالحوار، وان نحاول ان نستكشف وجهة النظر الاخرى وان نضع انفسنا مكان الاخر، حتى نرى الصورة كاملة وليست من زاوية واحدة ،ومهما كان تطرف الآخرين فلا تواجههم  الا بالفكر، فالفكر لا يواجه بالسلاح او بالسب والقذف، فان كان الاخر متطرف دينيا فيجب ان تحاوره حتى تعرف وجهة نظره ،لانه فى النهاية ينتمى الى فكر معين ولن تستطيع اقصاؤه الا عن طريق فكرك، وينطبق الحال ايضا على العلمانيين وحتى الملحدين، فمواجهتم بالشتائم وبالقوة لن تجعلهم يعودون للايمان مرة اخرى، ولكنها ستجعلهم اكثر تعنتا وسيرا على طريقهم، ويجب ان تحاورهم حتى تكشف لهم ضلالهم ويعودوا مرة ثانية الى رشدهم .

يا عزيزى كلنا متقوقعون فى هذا المجتمع، فان لم نكسر هذه القواقع ونحطم الحواجز فيما بيننا، فليس من حقنا ان نحلم بالتقدم او حتى بالعيشة الكريمة والحرية والعدالة الاجتماعية ،ولن تتجاوز هذه الكلمان كونها مجرد شعارات وهتافات .

 عاصم عرابى